جان لوئيس بوركهارت
274
رحلات بوركهارت في بلاد النوبة والسودان
على السواء ، أو الفضل فيه لخلاف في المناخ نفسه . ولكن ليذكر القارئ أن شندى أعلى كثيرا من الصعيد . وأهل البلاد الواقعة على النيل من دنقلة إلى سنار ، وكذلك سائر القبائل العربية الصحيحة إلى برنو ، يتكلمون العربية دون سواها ، وجيرانهم مزدرون محتقرون في نظرهم سيان منهم الشرقيون والغربيون ، فكلهم عندهم « عجم « * » » وهو لقب غير الناطقين بالضاد في لغة القرآن الكريم . على أنك تسمع بينهم أيضا ما تسمع بين البدو الأعراب من رطانات متعددة واختلاف في النطق والألفاظ . فالشرقيون النازلون عطبرة صوب التاكة والبحر الأحمر يتكلمون الرطانة البشارية ، أما النوبيون فأقرب الرطانات الدخيلة عليهم رطانة كردفان التي لا تختلف عن لهجة الفور إلا في النطق . ويتكلم القوم العربية في طلاقة وإجادة ، ويلوح لي أن عرب السودان أفصح لسانا من أخوتهم بمصر وأشد تمكنا من عربيتهم ، ونطقهم بها شبيه بنطق أهل الصعيد ، وهو مختلف أكبر اختلاف عن نطق أهل القاهرة والدلتا . ذلك أن أهل الصعيد إلى الجنوب من أسيوط ليسوا سوى قبائل البدو القديمة ، وعربيتهم في نظري خالصة نقية من الشوائب ، ولا يفضلها نقاء غير عربية شبه الجزيرة . صحيح أنهم ينطقونها بلغة مصرية ، ولكن ألفاظهم وعباراتهم جلها مأخوذ من لغة الحجاز واليمن ، وهو ما تحققته بنفسي في أثناء مقامي بعد ذلك بجدة ومكة . ويستعمل عرب الجنوب كثيرا من العبارات الدخيلة على العربية ، ولعلها نتيجة اتصالهم الوثيق بالزنوج ، ويستعملون الكثير من الألفاظ الفنية ، ولعلها مشتقة من الحبشية ومن لغات البشارية والزنوج . ويعتز عرب الجعليين أكثر ما يعتزون بلسانهم العربي المبين ، وقد سمعت عربا من قبيلة بنى حسان التي تنتجع بحر الغزال يتكلمون بلهجة هي لهجة الجعليين
--> ( * ) يطلق العرب لفظ العجم من ناحية على الفرس ومن ناحية أخرى على أهل الشاطئ الإفريقى المقابل لشبه جزيرة العرب حيث يتكلم السكان أشتاتا من اللغات . ولا يزال اليمنيون والحجازيون يسمون هذه البلاد العجم ، وهو اسم يطوى تحته جميع الساحل من سواكن إلى بلاد البربر بما في ذلك بلاد الحبش ، ويسميه الجغرافيون الأوربيون Regnum Adjamioe .